يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
53
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
وقيل : إن أبا الأسود سمع بنية له صغيرة تقول وقد نظرت إلى السماء فقالت له : يا أبت ما أحسن السماء ؟ فقال : نجومها ، فقالت : لم أرد هذا إنما أردت أن السماء حسنة ، فقال لها : فقولي ما أحسن السماء . فلما أصبح ذهب إلى علي فذكر ذلك له وقال : إنني أخاف أن يفسد لسان العرب ، فصنع أبوابا في علم العربية ثم زاد عليها من بعده حتى صار إلى ما ترى . وكما أوردت الحكاية نقلتها من حفظي بلفظي والحمد للّه . وقيل : إنما صنع ذلك حين سمع رجلا يقرأ : ( إن اللّه بريء من المشركين ورسوله ) بالجرّ ، فقال : لا يسعني إلا أن أصنع شيئا أصلح به لحن هذا أو كلاما هذا معناه . ويقال : إن زيادا سأله ذلك فأبى عليه ، فبعث زياد رجلا يقعد له بطريقه وأمره أن يقرأ شيئا من القرآن ويتعمد اللحن ، فقرأ : ( إن اللّه بريء من المشركين ورسوله ) بالجرّ فاستعظم ذلك أبو الأسود وقال : عزّ وجه اللّه ، إن اللّه لا يبرأ من رسوله . ثم رجع من فوره إلى زياد فقال : يا هذا قد أجبتك إلى ما سألت ، وكان زياد من فصحاء الناس وبلغائهم ، وكان أبو الأسود رحمه اللّه واسمه ظالم بن عمرو يعدّ في الصحابة والتابعين والمحدّثين والشعراء والنحويين ، وقد ذكره الخطابي رحمه اللّه في كتابه ، وقال عن محمد بن سلام الجمحي قال : أوّل من أسس العربية وفتح بابها وأنهج سبلها ووضع قياسها أبو الأسود ، وكان رجلا من أهل البصرة ، وإنما فعل ذلك حين اضطرب كلام العرب فغلبت السليقة . ثم قال : السليقة من الكلام ما كان الغالب عليه السهولة ، وهو مع ذلك فصيح اللفظ منسوب إلى السليقة وهي الطبيعة . يقال : يقرأ بالسليقة ، أي : بطبعه ، لم يقرأ على القرّاء ولم يأخذه عن تعليم . قال الشاعر : ولست بنحويّ يلوك لسانه * ولكن سليقيّ أقول فأعرب ومما قيل من الشعر في اللحن واستحسن : النحو يبسط من لسان الألكن * والمرء تكرمه إذا لم يلحن وإذا طلبت من العلوم أجلّها * فأجلّها منه مقيم الألسن وكان يقال : إذا أردت أن تعظم في عين من كنت عنده صغيرا ؛ ويصغر في عينك من كان عندك كبيرا ؛ فتعلم العربية . وقال الشعبي : الآداب والعربية رأس كل صناعة . وقال أبو محمد بن العلا : قال حماد ابن سلمة رحمه اللّه : أنفقت على الأدب أربعة آلاف ، فليت ما أنفقت على الحديث أنفقت على الأدب ، فإن النصارى صحفوا حرفا فكفروا ( أوحى اللّه إلى عيسى ابن مريم أنت نبيي وأنا ولدتك ) فقرؤوا : ( أنت بنيي وأنا ولدتك ) فكفروا . وقال عبد الملك بن مروان : أصلحوا من ألسنتكم فإن المرء تنوبه النائبة فيستعير